منهج الصحابة والتابعين المتعلق بالوسائل والأساليب

توطئــــــة:

احتاج دعاة الصحابة والتابعين “رضي الله عنهم”  المرتحلين للدعوة وكغيرهم من الدعاة للوسائل والأساليب التي تعين على فهم واستيعاب دعوتهم المباركة،  وبالكيفية التي تمكنهم من إيصال رسالتهم وإزالة ما قد يعترضها من عوائق، مستنين في ذلك بآثار نبيهم ﷺ، وفي المطالب التالية سيذكر الباحث منهج الصحابة والتابعين “رضي الله عنهم”  في رحلاتهم وبعوثهم الدعوية المتعلق بالوسائل والأساليب مستشهداً ببعض الممارسات لأولئك الدعاة، وفيما يختص بالأساليب فسيتم ذكر أمات ([1]) الأساليب الدعوية الثلاثة وهي:

  1. أسلوب الدعــــــــــوة بالحكمــــــــــــــــــة.
  2. أسلوب الدعوة بالموعظة الحسنة.
  3. أسلوب الدعوة بالمجادلة بالحسنى.

*   *   *

 

المطلب الأول

منهج الصحابة والتابعين”رضي الله عنهم”  المتعلق بالوسائل الدعوية

لا يمكن الاستغناء عن الوسائل الدعوية البتة إذ لا يتصور عند العقلاء الوصول إلى هدف دون استخدام الوسائل أو الوسيلة الموصلة إليه وقد استخدم رسول الله ﷺ وسائل متاحة في وقته فصدع بالحق على الصفا، وصرخ بقريش واصباحاه، وكان يعرض دعوته في ملتقيات الناس وأسواقهم، كما كان يطوف بمشاعر الحج ويلقى القبائل ويبلغ الرسالة، ويستنصر للدين([2]). والوسيلة:” هي ما يستعين به الداعي على تبليغ الدعوة إلى الله على نحو نافع مثمر([3])“.  وقيل هي :”ما يتوصل به الداعية إلى تطبيق مناهج الدعوة من أمور معنوية أو مادية([4])“. ” والداعية إلى الله مطالب عقلا وشرعا باستخدام الوسيلة الشرعية المناسبة التي يوصل دعوته إلى المدعوين عن طريقها([5])“. ومن الوسائل التي استعان بها الصحابة والتابعون “رضي الله عنهم”  في رحلاتهم وبعوثهم الدعوية ما يلي:

أولاً: حلقات التعليم :

من الوسائل الدعوية التي استعان بها الصحابة والتابعون “رضي الله عنهم”   في رحلاتهم وبعوثهم الدعوية حلقات التعليم بعد أن ازداد النشاط العلمي في مختلف الأمصار الإسلامية، وقد مر معنا كيف كانت حلقات الصحابة والتابعين “رضي الله عنهم”  المرتحلين للدعوة التي كانت تعقد يومياً في المساجد، ومن أشهرها حلقة عبدالله بن عباس ــــ رضي الله عنهما ــــ  المرتحل إلى مكة المكرمة وكان مجلسه في المسجد الحرام وكان يُخصص لكل فرع من فروع العلم يوماً دراسياً كاملاً فقد كان يجلس يوماً لا يذكر فيـــه إلا الفقــــه، ويوماً التأويل، ويوماً المغازي، ويوماً الشعر، ويوماً أيام العـــــرب. وأما الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود “رضي الله عنه”  فقد مكث في الكوفة قرابة خمسة عشر عاماً يعلم الناس ويفقههم في مسجد الكوفة،   وكان الذين في حلقة أبي الدرداء “رضي الله عنه”  المرتحل إلى دمشق أزيد من ألف رجل، ولكل عشرة منهم ملقن، وكان أبو الدرداء “رضي الله عنه”  يطوف عليهم قائما، فإذا أحكم الرجل منهم، تحول إلى أبي الدرداء “رضي الله عنه”  يعني يعرض عليه وكان أبو موسى الأشعري “رضي الله عنه”  يطوف على حلقات له في مسجد البصرة، كما كان لعمران بن حصين “رضي الله عنه”  مبعوث عمر بن الخطاب  ”رضي الله عنه” لتفقيه أهل البصرة مجلس علم في مسجدها، وأما بالنسبة للتابعي الجليل  المرتحل إلى دمشق أبي إدريس الخُولاني الأزدي “رضي الله عنه”  فكان له حلقة يومية في مسجد دمشق، كما للحسن البصري “رضي الله عنه”  حلقة في مسجد البصرة، كما كانت حلقات العلم تعقد في حِمص وحلب والفسطاط .. واليمن، وغيرها من الأمصار الواسعة التي رحل إليها الصحابة والتابعون “رضي الله عنهم”  ([6]).

وكان منهج الصحابة والتابعين “رضي الله عنهم”  المرتحلين للدعوة في هذه الحلقات يعتمد على تعليم القرآن والسنة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم ويعلمون تلاميذهم أحكام الآيات وآدابها ويربونهم عليها وكانوا يخوفون الدعاة من الذنوب ويبينون آثارها على تعلم القرآن أما في السنة النبوية الشريفة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم فيتلخص منهجهم في أنهم أقلوا من رواية الحديث، وقد مر معنا  كيف كان منهج الصحابة والتابعين “رضي الله عنهم”  المتعلق بالإعداد العلمي للداعية ([7]).

ثانياً: بناء المساجد:

منذ بدء الدعوة الإسلامية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم ظل المسجد ومازال وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله تعالى ومركزاً لكل خير، فلم يكن يقتصر دوره على أداء العبادة فحسب بل كان مركزاً  للعلم، والتخطيط واستقبال الوفود والسفراء وعقد مجالس الشورى والقضاء وما إلى ذلك من تدابير أمور الدنيا والدين، وعلى هذا فقد كان معموراً حساً ومعنى كما قال الله تعالى :(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) ([8]).

وقد رأينا كيف كانت عمارة المساجد بالعلم والعبادة في الوسيلة السابقة ( حلقات التعليم) وهاهنا سنرى كيف اتخذ الصحابة والتابعون “رضي الله عنه”  المرتحلون والمبعوثون للدعوة من بناء المساجد وسيلة مهمة في أداء رسالتهم الدعوية فقد شارك هولاء الدعاة الأخيار من سلف هذه الأمة الفاتحين وجرياً على سنة معلمهم وقدوتهم ﷺ في بناء المساجد في البلدان المفتوحة لتكون مركزاً للعبادة، والدعوة، والتفقه، والقضاء، فالصحابي الجليل وبر بن يحنس الخزاعي “رضي الله عنه”   كان قد بعثه الرسول ﷺ لدعوة  أهل صنعاء وإقامة الصلاة بعد بناء مسجد صنعاء([9]).

وبناء المساجد لم يكن فعلاً اقتصره الصحابة والتابعون “رضي الله عنهم”  على أنفسهم بل كان من وصاياهم لتلاميذهم فعن علي الأزدي قال: سألت ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ عن الجهاد، فقال: “ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد؟ تبني مسجدا تعلم فيه القرآن، وسنن النبي ﷺ والفقه في الدين” ([10]).

ولم يكن دور الصحابة والتابعين “رضي الله عنهم”  المرتحلين للدعوة على المشاركة في بناء المساجد بل إنهم وإدراكاً منهم لما لهذه الوسيلة من أثر عظيم فقد عملوا على هدم المساجد التي بناها أصحابها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا فقد جاء أن أناساً من أهل الكوفة خرجوا إلى الجبانة يتعبدون واتخذوا مسجدا وبنوا بنيانا فأتاهم الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود “رضي الله عنه”   فقالوا: “مرحبا بك يا أبا عبدالرحمن لقد سرنا أن تزورنا قال: ما أتيتكم زائرا ولست بالذي أترك حتى يهدم مسجد الجبانة إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله ﷺ ؟! أرأيتم  لو أن الناس صنعوا كما صنعتم من كان يجاهد العدو ومن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ومن كان يقيم الحدود ارجعوا فتعلموا ممن هو أعلم منكم وعلموا مــــــــــن أنتــــــم أعلــــم منهم” قال الشعبي ـــــ رحمه الله ـــــ : واسترجع فما برح حتى قلع أبنيتهم وردهم”([11]).

ثالثاً: الإفتاء :

عظم الشارع الكريم أمر الإفتاء وجعله مسؤولية عظيمة، وأمانة ثقيلة، كما أنه منصب جليل، ووظيفة شريفة، وأثره في إصلاح الأفراد والمجتمعات ظاهر، والحاجة إليه من أمس الحاجات، بل تبلغ مبلغ الضرورات. ([12]).   ولذا وبعد أن نشر الصحابة والتابعون “رضي الله عنهم”   المرتحلون والمبعوثون للدعوة الإسلام في بقاع الأرض أصبحت حاجة الناس داعية إلى من يفتيهم في مسائل دينهم، ومايعرض عليهم من نوازل الأحكام، فكان أن انبرى لهذه المهمة عددٌ منهم، وقد كان منهجم في الإفتاء التوقف وعدم التعجل في أمور كثيرة وبيان عظم أمر الإفتاء وأنه لا يكون إلا بعد إجازة علمائهم ومشايخهم فعن مالك بن أنس “رضي الله عنه”  قال: ما أفتيت حتى سألـــت سبعــــين شيخـــــا هـــــل تـــــــــرون لي أن أفتي فقالوا: نعم فقيل له فلو نهوك قال: لو نهوني      انتهيت” ([13]).   وقد وصف عبدالرحمن بن أبي ليلى  ــــ رحمه الله ـــ  عظيم منزلة الفتوى في قلوب السلف الصالح فقال :” لقد أدركت بهذا المسجد عشرين ومائة من الأنصار، ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ودَّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا يسأل عن فتيا إلا ودَّ لو أن أخاه كفاه الفتيا”.  وقال ابن مسعود “رضي الله عنه” : “والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون” ([14]).

وممن تولى الإفتاء من الصحابة المرتحلين للدعوة “رضي الله عنهم”  عمر بن الخطاب”رضي الله عنه” ، وعبدالله ابن مسعود”رضي الله عنه” ، وعبدالله بن عباس ــ رضي الله عنهما ــ، وأبو موسى الأشعري”رضي الله عنه” ،  وسلمان الفارسي”رضي الله عنه” ،  ومعاذ بن جبل”رضي الله عنه” ، وأبو الدرداء “رضي الله عنه” وغيرهم. ([15]). وأما التابعون المرتحلون للدعوة فممن تولى الإفتاء منهم سعيد بن المسيب، وطاوس بن كيسان، ومجاهد بن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري، وأبو إدريس الخولاني “رضي الله عنهم”  وغيرهم  ([16]).

رابعاً: الخطبة :

تعد الخطبة وسيلة من وسائل الدعوة المهمة في التربية والتوجيه والتأثير ، ولها ثمرات كثيرة فهي التي تفض المشاكل ، وتقطع الخصومات ، وهي التي تهدئ النفوس الثائرة ، وهي التي تثير حماسة ذوي النفوس الفاترة ، وهي التي ترفع الحق ، وتخفض الباطل ، وتقيم العدل ، وترد المظالم ، وهي صوت المظلومين ، وهي لسان الهداية([17]).

وقد كانت الخطبة ومنذ بدء الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام من أكثر الوسائل فاعلية في مخاطبة مختلف فئات الناس وطبقاتهم ومستوياتهم ولذا فقد كانت أحد الوسائل الدعوية المهمة للصحابة “رضي الله عنهم”  والتابعين المرتحلين والمبعوثين للدعوة في الدعوة للإسلام، وإصلاح الناس وترسيخ عقائدهم، ومعالجة ماقد يكون من أخطاء ومخالفات، فمن ذلك ماكان من سعد بن معاذ “رضي الله عنه”  بعد أن أسلم ورحل لقومه فخطب فيهم وقال: “فإن كلامكم علي حرام، رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله. قال: فو الله ما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا وأسلموا ” ([18]).

ومن ذلك ماكان من خطبة عمرو بن مرة  الجهني “رضي الله عنه”  في قومه بعد أن أتاهم من رسول الله ﷺ وقال:” .. أتيت قومي فقلت : يا بني رفاعة ، يا معاشر جهينة ، إني رسول رسول الله ﷺ إليكم أدعوكم إلى الجنة وأحذركم النار، وآمركم بحقن الدماء وصلة الأرحام، وعبادة الله ورفض الأصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار، يا معشر جهينة، إن الله عز وجل جعلكم خيار من أنتم منه، وبغض إليكم في جاهليتكم ما حبب إلى غيركم، من أنهم كانوا يجمعون بين الأختين، ويخلف الرجل منهم على امرأة أبيه، والغزاة في الشهر الحرام، فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤي بن غالب، تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة، وسارعوا في ذلك يكن لكم فضيلة عند الله ، فأجابوه إلا رجلا واحدا. ” ([19]). وخطب أبو موسى الأشعري “رضي الله عنه”  مرة الناس بالبصرة : “أيها الناس، إبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع، ثم يبكون الدماء حتى لو أجري فيها السفن لسارت” ([20]) .  وهكذا نرى أن منهج الصحابة والتابعين “رضي الله عنهم”  المرتحلين للدعوة في هذه الوسيلة وبشكل عام هو عرض الحجج العقلية والبراهين المنطقية ثم إثارة العواطف بالثناء والمدح وذكر ماقد يكون من صفاتهم وفي هذا من دواعي الاستجابة والقبول ما لايخفى.

خامساً: الكتابة :

الكتابة نوع من أنواع الوسائل الدعوية التي اعتمد عليها نبينا ﷺ وصحابته “رضي الله عنهم”  من بعده ومن تبعهم بإحسان”([21])  ، وقد كان الرسول ﷺ يبعث الدعاة ويكتب لهم كتاباً من ذلك القراء الذين بعثهم ﷺ  لدعــــوة أهـــل نجد كما أنه  ﷺ كان يرسل الرسل إلى الملوك ليدعوهم إلى الإسلام ويكتب لهم كتبا “([22]) .

وعندما  قدم رفاعة بن زيد الجذامي على رسول الله ﷺ فأسلم وحسن إسلامه كتب له رسول الله ﷺ إلى قومه كتابا، ([23]) .   وكتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب “رضي الله عنه”  لأهل الكوفة عندما بعث الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود “رضي الله عنه”  ليعلمهم ويفقههم :” إني والله الذي لا إله إلا هو آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه” ([24]). وعندما كتب يزيد بن أبي سفيان لعمر بن الخطاب “رضي الله عنه”  من أن أهل الشام قد كثروا وربوا وملأوا المدائن واحتاجوا إلى من يعلمهم القرآن ويفقههم بعث إليه  أمير المؤمنين “رضي الله عنه”  بمن يعلمهم أمر دينهم. ([25]). كما كانت وسيلة عمر بن عبدالعزيز “رضي الله عنه”  الذي بعث عدداً من الدعاة إلى بعض الأمصار فقد كتب كتاباً إلى البربر يدعوهم إلى الإسلام فغلب الإسلام على المغرب ([26]).  كما كانت وسيلة بين الصحابة والتابعين المرتحلين للدعوة أنفسهم “رضي الله عنهم”  فقد كتب سلمان الفارسي “رضي الله عنه”  إلى أبي الدرداء “رضي الله عنه”  : ” أما بعد؛ فإنك لن تنال ما تريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تنال ما تأمل إلا بالصبر على ما تكره. فليكن كلامك ذكرا، وصمتك فكرا، ونظرك عبرا؛ فإن الدنيا تتقلب وبهجتها تتغير فلا تغترّ بها، وليكن بيتك المسجد. والسّلام” ، وكتب أبو موسى الأشعري “رضي الله عنه”  إلى عامر بن عبد القيس: ” أما بعد؛ فإني عاهدتك على أمر وبلغني أنك تغيّرت..” ([27]).   و كتب الحسن البصري “رضي الله عنه”  أحد التابعين المرتحلين للدعوة إلى الله رسالة خالدة لأمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز “رضي الله عنه”  نصحه فيها  بجملة من المواعظ المؤثرة”([28]). كما  كانت هذه الوسيلة أحد وسائل حفظ العلم التي أوصى بها الصحابة والتابعون “رضي الله عنهم”  المرتحلون للدعوة  قال ابن عباس ــ رضي الله عنهما ــ : “قيدوا العلم بالكتاب”([29]). ” ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض ودرست السنن وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مذاهب السلف ” ([30]) .

 

*   *   *

 

المطلب الثاني

منهج الصحابة والتابعين”رضي الله عنهم”  المتعلق

بالأساليب الدعوية

توطئــــــة :

مما ” لا شك فيه، أن الله فطر الناس على صفات متفاوتة، وسجايا متنوعة، وإدراكات متباينة. فمنهم صاحب الحس المرهف، والطبع الرقيق، الذي يتأثر بالعاطفة، ويستجيب للموعظة، ومنهم العقلاني ذو التفكير، الذي يناسبه الطرح العقلي، والاستدلالات الرياضية، ومنهم الذي يؤخذ بالترغيب، ومنهم الذي يتأثر بالترهيب، ومنهم المسالم المنصت، ومنهم المجادل العنيد، ومنهم المتعالم، ومنهم المتجاهل، ومنهم القوي، ومنهم الضعيف، وقد يكون لبعضهم ظروف مؤقتة، تمنعه من الإدراك، وتحول دونه ودون الاستجابة، كمصيبة مفاجئة، أو خسارة فادحة، أو حالة نفسية معينة، ومما لا شك فيه أن مُقتضى الحكمة، ونفع الخطاب. أن تُراعى هذه الطباع، وأن يُهْتَمَّ بخطاب كل صنف بما يناسبه، في إطار الشرع الحنيف([31])“.

إن من الاهتمام بأمر الدعوة إلى الله تعالى الاهتمام بأساليبها فهي الطريق التي يصل بها الداعية إلى قلب المدعو ليزيل بنور الوحيين ما تراكم عليها من ران الجهل والذنوب فيتحقق بذلك الهدف الأسمى المتمثل في هدايته إن شاء الله له الهداية، فأساليب الدعوة هي الوسيلة المؤثرة التي يهدف بها الداعية التأثير في نفس من يدعيه ويزيل بها ما قد يعترضه من عوائق.

“والأسلوب الحسن هو أن يكون الحديث ملائما لأفهام الناس ومداركهم، فتكون الفكرة واضحة، والكلمة فصيحة، والعبارة متناسقة، ويكون هناك انسجام بين اللغة والمعنى، وسلاسة وإبداع في الأسلوب([32])“.

”  فالأسلوب الدعوي هو العلم الذي يتصل بكيفية مباشرة التبليغ، وإزالة العوائق عنه([33])“.

“إن تحقيق المنهج الصحيح في الدعوة إلى لله فيه الاقتداء بالنبي ﷺكما أمره ربه تبارك وتعالى بذلك في قوله سبحانه:(قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ([34]).

” فأتباع الرسول ﷺ يدعون إلى الله على بصيرة كما دعا الرسول ﷺ على بصيرة، ومن لم يدع على منهج الرسول ﷺ كان اتباعه ناقصاً ([35])“.

وكان منهج الصحابة والتابعين “رضي الله عنهم”  المرتحلين والمبعوثين للدعوة المتعلق بأسلوب دعوتهم في رحلاتهم وبعوثهم الدعوية هو نتاج منهج نبيهم ﷺ الذي قام بتعليمهم وتربيتهم عليه فكانت ثمرة هذه الجهود ما تحقق لهم من نجاح في سير دعوتهم المباركة رغم ما واجهوه من مصاعب وتحديات

ونظراً لتعدد أساليب الصحابة والتابعين”رضي الله عنهم”  في رحلاتهم وبعوثهم الدعوية وكثرتها فسيقتصر البحث على ذكر أمات الأساليب الدعوية الثلاثة وهي:

  1. أسلوب الدعوة بالحكمة.
  2. أسلوب الدعوة بالموعظة الحسنة.
  3. أسلوب الدعوة بالمجادلة بالحسنى.

والتي ورد ذكرها في قولــــــــــــــه الله تعالى :(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ([36]).

أولاً: أسلوب الدعوة بالحكمة :

الحكمة هي” الإصابة في القول والعمل والاعتقاد ووضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان([37])“، والحكمة نعمة من نعــم الله العظيمـــة التي اختص الله منحها لمـن يشـــــاء قال  تعالــــى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)([38]).

وقد أمر الله جل في علاه نبيــــــــــه ﷺبأن يدعـــــو بها فقال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) ([39]). ” أي كل أحد على حسب حاله وفهمه، وقبوله وانقياده، ومن الحكمة، الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبدء بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، و إلا فينتقل معه إلى الدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر، والنهي المقرون بالترغيب والترهيب… ([40]).

وقد توخى الصحابة والتابعون المرتحلون والمبعوثون للدعوة”رضي الله عنهم”  أسلوب الحكمة وانتهجوا في ذلك منهج نبيهم ﷺ  فكان لذلك أبلغ الأثر في نجاح مهمتهم الدعوية التي شرفهم الله بها.

ومن أمثلة مظاهر أسلوب الحكمة في رحلات الصحابة والتابعين وبعوثهم الدعوية “رضي الله عنهم”  مايلي :

  • أ‌في الرسائل التي وجهت لدعوة الملوك والأمراء فقد كانت مخاطبتهم بما يليق مقامهم، فجعلوا لكل منهم منزلته، ولم ينتقصوا من قدره .
  • ب‌من المواقف الدعوية الحكمية للمرتحلين من الصحابة “رضي الله عنهم”  ما جاء عن ابن مسعود “رضي الله عنه”  في تقديره وتبجيله لأحد طلابه وهو الربيع بن خيثم ــــ رحمه الله ــــ  وكان ” إذا دخل على عبد الله ابن مسعود “رضي الله عنه” لم يكن عليه إذن لأحد حتى يفرغ كل واحد من صاحبه، قال : فقال عبد الله: يا أبا يزيد لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك، وما رأيتك حتى رأيت المخبتين” ([41]).
  • ت‌من المواقف الدعوية الحكيمة للمرتحلين من التابعين ماجاء عن رجاء بن حيوة فعن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: “كنا مع رجاء بن حيوة، فتذاكرنا شكر النعم، فقال: ما أحد يقوم بشكر نعمة، وخلفنا رجل على رأسه كساء، فقال : ولا أمير المؤمنين ؟ فقلنا: وما ذكر أمير المؤمنين هنا ! وإنما هو رجل من الناس . قال: فغفلنا عنه ، فالتفت رجاء فلم يره، فقال: أتيتم من صاحب الكساء، فإن دعيتم فاستحلفتم فاحلفوا . قال : فما علمنا إلا بحرسي قد أقبل عليه، قال : هيه يا رجاء، يذكر أمير المؤمنين، فلا تحتج له ؟ ! قال : فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال: ذكرتم شكر النعم، فقلتم : ما أحد يقوم بشكر نعمة، قيل لكم : ولا أمير المؤمنين، فقلت : أمير المؤمنين رجل من الناس ! فقلت : لم يكن ذلك . قال : آلله ؟ قلت : آلله . قال : فأمر بذلك الرجل الساعي ، فضرب سبعين سوطا ، فخرجت وهو متلوث بدمه فقال : هذا وأنت رجاء بن حيوة . قلت : سبعين سوطا في ظهرك خير من دم مؤمن”([42]) .

ثانياً: أسلوب الدعوة بالموعظة الحسنة :

“الأصـــــل في الموعظــة أنها: القول الذي يلين نفس المخاطب ليستعد لفعل الخير والاستجابة له” ([43]) و” الموعظة تشمل الترغيب فيما عند الله من سعادة ونعيم وراحة قلب ورغد عيش في الدنيا، والترهيب مما عنده من عقاب ونكال وشقاء وقلق وتعاسة في الدنيا كذلك، كما تشمل بيان رضاه عن أهل طاعته وإثابتهم في جناته في اليوم الآخر، وبيان سخطه على أهل معصيته وجزائه لهم في نار جهنم في اليوم الآخر كذلك، والتذكير بالموت وبالقبر وما فيه من نعيم أو عذاب ولا بد أن تكون الموعظة ذات عاطفة قوية جياشة، وأن تكون بليغة تجعل من يراد إبلاغ الحق إلى عقله يتفاعل معها ويفكر بعقله في الحق الذي كانت وسيلة له([44])“.

ومنهج الصحابة والتابعين المرتحلين والمبعوثين للدعوة”رضي الله عنهم”  المتعلق بأسلوب دعوتهم يوافق منهج نبيهم ﷺ والذي يعتمد على الوعظ بالقول والفعل، ومراعاة التخول بالموعظة، واغتنام المناسبات، والتعميم، والإيجاز والاختصار([45]). فمن مواقفهم الوعظية مايلي :

  • أ‌ما جاء عن أبي أُمامة الباهلي “رضي الله عنه”  مبعوث رسول الله ﷺ لدعوة قومه باهلة،  والمرتحل إلى الشام فعن عبد الله بن بجير، عن سيار  ــــ رحمهم الله ــــ قال: “جيء برؤوس من قبل العراق فنصبت عند باب المسجد، وجاء أبو أُمامة فدخل المسجد فركع ركعتين، ثم خرج إليهم، فنظر إليهم فرفع رأسه فقال: ” شر قتلى تحت ظل السماء، ثلاثا، وخير قتلى تحت ظل السماء من قتلوه. وقال: كلاب النار “،، ثلاثا، ثم إنه بكى، ثم انصرف عنهم، فقال له قائل: يا أبا أُمامة أرأيت هذا الحديث؟ حيث قلت: كلاب النار، شيء سمعته من رسول الله ﷺ أو شيء تقوله برأيك؟ قال: سبحان الله إني إذا لجريء لو سمعته من رسول الله ﷺ مرة أو مرتين، حتى ذكر سبعا لخلت أن لا أذكره. فقال الرجل: لأي شيء بكيت؟ قال: رحمة لهم أو من رحمتهم([46])“. إنها أحد المواعظ التي اغتنم فيها أبو أمامه “رضي الله عنه”  أحد المناسبات المؤثرة في النفوس والتي اعتمدت على الإيجاز ففي كلمات قليلة لفت أبو أمامه عظم أمر الخروج عن الجماعة، والتساهل في البدع التي قد تجر إلى المهالك فبعد أن وصل إلى المسجد لم يشغله ذلك أو يصرفه عن ما عند الله بل إنه بدأ بالصلاة وبعد خروجه نظر إليهم ووعظ الناس بتلك الموعظة العجيبة وهذا من أبلغ المواقف الوعظية التي تؤثر في نفوس المدعوين .
  • ب‌ومن مواقف أبي أمامه الباهلي “رضي الله عنه”  أيضاً الوعظية التي استثمر فيها المناسبات ما رواه عنه أحد طلابه وهو سليم بن عامرٍ  ــــ رحمه الله ــــ قال ” خرجنا على جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامه الباهلي “رضي الله عنه” ، فلما صلى على الجنازة، وأخذوا في دفنها، قال أبو أٌمامه “رضي الله عنه” : أيها الناس، إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخــــــر، وهـــــو هذا – يشير إلى القبر- بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الدود، وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نورا ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئا، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه، قال: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ) إلى قوله : (فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) ([47]). فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا :(انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا) ([48]). وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال :(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ) ([49]).فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب،(بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ)   ([50])    .
  • ت‌من المواقف الوعظية للحسن البصري “رضي الله عنه”  أحد المرتحلين للدعوة من التابعين ماجاء عن مالك بن مغول ، عن حميد . قال:” بينما الحسن في يوم من رجب في المسجد وهو يمص ماء ويمجه ، تنفس تنفسا شديدا ثم بكى حتى ارتعدت منكباه ثم قال : لو أن بالقلوب حياة ، لو أن بالقلوب صلاحا ، لأبكيتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة ، إن ليلة تمخض عن صبيحة يوم القيامة ما سمع الخلائق بيوم قط أكثر فيه من عورة بادية ولا عين باكية ، من يوم القيامة”([51]) .

ثالثاً: أسلوب الدعوة بالمجادلة بالحسنى :

أصل الجدل: ” الاحتجاج لتصويب رأي ورد ما يخالفه، فهو حوار وتبادل في الأدلة ومناقشتها. وهو حال أوسع من الخصام والمخاصمة على أن المخاصمة نوع جدل من حيث هي تراد في الكلام والحجج([52])“.

وقال الجرجاني المجادلة هي : “دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة ([53]) . والمجادلة بالتي هي أحسن أسلوب من الأساليب الدعوية الناجحة التي أمر الله بها في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ([54]).

ولقد انتهج الدعاة المرتحلون من الصحابة والتابعين “رضي الله عنهم”  في أسلوب الدعوة بالمجادلة بالتي هي أحسن نهج نبيهم ﷺ الذي جعل من الحوار أحد أهم سبل الإقناع وأساساً من أساسيات الدعوة وتبليغ الرسالة وإقامة الحجة على المدعوين، ومن سيرهم مايلي:

  • أ‌ما جاء في حوار مصعب ابن عمير مع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير “رضي الله عنهم”  ([55]), وقد توفر في هذا الأسلوب الحواري عددٌ من الضوابط منها :-
  1. العلم بموضوع الحوار.
  2. وحدة الموضوع، وعدم الخروج عن عناصره.
  3. حسن الفهم .
  4. السعي لتحقيق الهدف بالتي هي أحسن([56]).
  • ب‌- وكذلك ما جاء في مناظرة ابن عباس ــــ رضي الله عنهما ــــ مع الخوارج([57]). فقد حجهم في ” هذه المناظرة بما لا مدفع فيه من الحجة، فقد بين لهم خطأهم في آرائهم التي استنبطوها حسب أهوائهم، وجعلوها مطاعن على علي “رضي الله عنه” ” ([58]). ” لقد حوت هذه المناظرة كثيرا من شروط المناظر، وضوابط المناظرة وطرق إحكام الرد وإفحام الخصم… وقد اهتم بمنظره وهيئته إذ أول ما يطالع الخصم هيئة المناظر قبل حديثه، لذلك لبس “رضي الله عنه”  حلة من أحسن ما يكون من اليمن وترجل([59]) ” .
  • ت‌- ماجاء في حوار أحد المرتحلين للدعوة إلى وهو الصاحبي الجليل حاطب بن أبي بلتعة “رضي الله عنه”  عندما بعثه رسول الله ﷺ إلى المقوقس صاحب الإسكندرية وكان مما دار في هذا الحوار قول المقوقس لحاطب :” …إني سائلك عن كلام ، فأحب أن تفهم عني ، قال (حاطب “رضي الله عنه” ) : قلت: هلم . قال : أخبرني عن صاحبك ، أليس هو نبيا ؟ قلت: بلى، هو رسول الله. قال: فما له حيث كان هكذا، لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها؟ قال: فقلت: عيسى ابن مريم ، أليس تشهد أنه رسول الله ؟ قال : بلى. قلت: فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يصلبوه، ألا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إلى السماء الدنيا ؟ فقال لي: أنت حكيم ، قد جاء من عند حكيم ..” ([60]) .  ففي هذا الحوار ظهرت حجة الصحابي الجليل حاطب “رضي الله عنه”  وماتحلى به  من فصاحة ومقدرة على المحاورة وعلم بالنصرانية وإفحام للمقوقس بالتي أحسن، فكان هذا الجواب قطعاً للنصراني بما يعتقده..وكما أن موت النبي ﷺ ومرضه لايقدح في نبوئته إذ النبوءة غير ذلك وخلافه وإنما يرفعها ضدها فكذلك لايقدح جرحه وقتله لأن هذا لايناقض الصدق على الله تعالى وتبليغ ما أمر بتبليغه وإنما وجبت عصمتهم عما يقدح في النبوءة ويحط المنزلة لا مايرفعها([61]).

وهكذا كان نهج الصحابة والتابعين “رضي الله عنهم”  المرتحلين والمبعوثين للدعوة في الوسائل والأساليب الدعوية والمستمد من منهج النبوة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

*   *   *

 

[1] ـــــ هاهنا لطيفة يحسن ذكرها وهو الفرق بين أُمَّات وأُمّهات، فالأولى تستخدم لغير العاقل، والثانية لمن يعقل، قال ابن منظور في اللسان : .. والجمع أُمَّات وأُمّهات زادوا الهاء وقال بعضهم : الأُمَّهات فيمن يعقل والأُمّات بغير هاء فيمن لا يعقل ، فالأُمَّهاتُ للناس والأُمَّات للبهائم (12/22).

[2] ـــــ انظر: من وسائل الدعوة، محمد بن عبد العزيز الثويني، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، السعودية، د ط، د ت، ص 1.

[3] ـــــ أصول الدعوة، عبد الكريم زيدان، ص 447.

[4] ـــــ المدخل إلى علم الدعوة، محمد البيانونيي، ص 282.

[5] ـــــ من وسائل الدعوة، محمد بن عبد العزيز الثويني، ص 3.

[6] ـــــ      انظر: إلى ماورد في هذا بشيء من التفصيل في ص( 180) من هذه الدراسة

[7]  ـــــ    انظر: إلى ما ورد في هذا بشيء من التفصيل في ص (266)  من هذه الدراسة

[8]  ـــــ    سورة التوبة، آية 18.

[9]  ـــــ    انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، 6/599 .

[10]  ـــــ  جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، 1/263 .

[11] ـــــ    شرح السنة، للبغوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط- محمد زهير الشاويش،  المكتب الإسلامي، دمشق، بيروت، 10/55. الطبعة الثانية، 1403هـ .

[12] ـــــ   انظر: حقيقة الإفتاء الفضائي وخصائصه، عبد العزيز بن فوزان الفوزان، مجلة البحوث الإسلامية، العدد السابع والتسعون – الإصدار من رجب إلى شوال 1433 هـ ، ص 142.

[13]  ـــــ  تلبيس إبليس، لابن الجوزي، حققه : السيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1405هـ، ص148.

[14]  ـــــ  إبطال الحيل لابن بطة، حققه زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1403هـ، ص 65. وانظر:  ماجاء عن ذلك في هذه الدراسة ص ( 277).

[15]  ـــــ  انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ     1/ 18 ــ 21 .

[16] ـــــ   المرجع السابق ،1/10ــ 11.

[17] ـــــ   انظر: الخطابة ، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، د ط ، د ت، ص 17 .

[18] ـــــ   سير أعلام النبلاء للذهبي،  1/281.

[19]  ـــــ  مجمع الزاوئد ومنبع الفوائد للهيثمي، 8/246

[20] ـــــ    طبقات ابن سعد، 4/110.

[21] ـــــ انظر: أصول الدعوة، عبدالكريم زيدان، ص 474 .

[22] ـــــ طبقات ابن سعد، 1/258.

[23] ـــــ طبقات ابن سعد، 7/307.

[24] ـــــ   انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، مؤسسة الرسالة، 1422هـ ، 2/492.

[25] ـــــ انظر: الطبقات الكبرى، لابن سعد، 2/357.

[26] ـــــ انظر إلى فتوح البلدان 1/273 .

[27] ـــــ انظر : العقد الفريد لابن عبدربه الأندلسي، 3/94 .

[28] ـــــ انظر: الزهد، لابن أبي الدنيا، 1/40.

[29] ـــــ انظر : جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر،  ص 72 – 73.

[30] ـــــ   انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر،  ص 72 – 73.

[31] ـــــ منهج الدعوة في ضوء الواقع المعاصر، عدنان بن محمد آل عرعور، ص81.

[32] ـــــ الدعوة الإسلامية والوسائل والأساليب، محمد خير يوسف، دار طويق، الرياض، الطبعة الأولي، 1414هـ، ص 69.

[33] ـــــ انظر : أصول الدعوة، عبد الكريم زيدان، ص 411.

[34] ـــــ سورة يوسف، الآية: 108.

[35] ـــــ المنهج الصحيح وأثره في الدعوة إلى الله تعالى، حمود بن أحمد الرحيلي، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، العدد 119 ـــ السنة 3 ــ 1423هـ، ص 189.

[36] ـــــ سورة النحل، الآية :125.

[37] ـــــ الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، سعيد بن علي القحطاني، ص 30.

[38] ـــــ سورة البقرة، الآية : 269.

[39] ـــــ سورة النحل، الآية : 125.

[40] ـــــ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص 453.

[41] ـــــ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني،/ 1.6.

[42] ـــــ انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، 4/562، ومما يدل على أن هذا في رحلة رجاء الدعوية أن الراوي عبدالله بن بجير دمشقي انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي، 7/177.

[43] ـــــ مفهوم الحكمة في الدعوة، صالح بن حميد، الطبعة الأولى، 1422هـ، ص 10.

[44] ـــــ السباق إلى العقول، عبد الله قادري الأهدل، وزارة الأوقاف السعودية، د ط، د ت، ص 339.

[45] ـــــ انظر: المرجع السابق، من ص 6 ـــ 8 .

[46] ـــــ مسند الإمام أحمد بن حنبل، شرحه وصنع فهارسه: حمزة أحمد الزين، دار الحديث،  القاهرة، الطبعة الأولى، 1416هـ، 16/217، قال المحقق  : إسناده صحيح وهو عند أبي شيبة 15/357، والحميدي رقم 908، والبيهقي 8/188، وصححه الحاكم 2/149- 150ووافقه الذهبي  .

[47] ـــــ سورة النور، الآية : 40.

[48] ـــــ سورة الحديد، الآية : 13.

[49] ـــــ سورة النساء، الآية : 142.

[50] ـــــ انظر: تفسير ابن كثير، 8/17، والآية من سورة الحديد، آية : 13.

[51] ـــــ انظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم الأصبهاني 2/143، ومما يدل على أن هذا في رحلة الحسن الدعوية أن الراوي مالك بن مغول كوفي، انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي،  7/174 .

[52] ـــــ  مفهوم الحكمة في الدعوة، صالح بن عبد الله بن حميد، ص 9.

[53] ـــــ  التعريفات، للجرجاني، 1/101.

[54] ـــــ سورة النحل، الآية : 125.

[55] ـــــ انظر: هذا الحوار في البداية والنهاية لابن كثير  4/377.

[56] ـــــ انظر: أسلوب الحوار من خلال سيرة مصعب بن عمير “رضي الله عنه”  وتطبيقاته التربوية، عدنان بن سليمان الجابري، رسالة ماجستير في التربية الإسلامية بقسم التربية، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، 1434هـ، ص 56.

[57] ـــــ انظر: المصنف، لعبدالرزاق الصنعاني، حققه: حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي، الهند، الطبعة الثانية، 1403هـ، 10/157.

[58] ــــ عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام “رضي الله عنهم” ، ناصر بن علي الشيخ، 3/1171.

[59] ــــ موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام، مجموعة من الباحثين بإشراف عَلوي السقاف، الدرر السنية، 3/51.

[60] ــــ انظر: البداية والنهاية لابن كثير، 6/493.

[61] ــــ انظر: عيون المناظرات، عمر السكوني، حققه: سعد غراب، الجامعة التونسية، 1976م، د ط، ص185